languageFrançais

'اغتراب' لمهدي الهميلي.. حين يتحوّل الإنسان إلى صدأ داخل آلة لا ترحم

في مدينة السّماء الصّفراء حلّ مهدي هميلي ورفقته مجموعة من فريق وأبطال فيلمه الجديد 'اغتراب'، هناك في قابس المدينة التي تحتفي بالفنون والسّينما اختار أن يقدّم عرضه التونسيّ الأوّل بعد جولة في العالم من لوكارنو إلى القاهرة مرورا بالجونة السّينمائي ومونبيلييه وغيرها من المنصات السّينمائيّة حول العالم. 

وكان هذا الاختيار تلبية لطلب مديرة مهرجان 'قابس سينما فنّ' عفاف بن محمود التي أصرّت أن يكون العرض الأوّل لفيلم 'اغتراب' في قابس في إطار الدّورة الثامنة من المهرجان الذي يقول الهميلي إنّ عمله يتماهى مع فلسفة التّظاهرة وهواجس المدينة التي جاء جمهورها ليشاهد أوجاعه على شاشة عملاقة.

وبتأثّر كبير صعد غانم الزّرلّي على المسرح ليشارك المخرج مهدي الهميلي تقديم الفيلم لكن سرعان ما اختنقت في حلقه الكلمات وأطلّ الدّمع من عينيه التي كانت تلتهم الشّاشة على مدى أكثر من ساعتين وكأنّه يشاهد الفيلم للمرّة الأولى وكأنّ 'محمد' البطل الذي يؤدّي دوره غانم قد حضر إلى القاعة ليجلس مع الجمهور ويحدّثه عن "السّيستام" والآلة التي التهمته وقتلت إنسانيّته. 

بناء عالم كامل من القسوة الممنهجة

وفي هذا المستوى تحديدا، حيث تتقاطع الحكاية مع مصائر شخصياتها، يبدأ فيلم "اغتراب" في الانفلات من مجرّد سرد واقعة مأساوية إلى بناء عالم كامل من القسوة الممنهجة، عالم تُصاغ فيه الشخصيات لا كأفراد فقط، بل كامتدادات حيّة لآلة أكبر تبتلعهم ببطء.

فـ"محمد" ليس بطلا تقليديا، بل هو كائن يتشظّى بين إنسانيته التي تتآكل ورغبة جامحة في الفهم والانتقام. منذ لحظة الحادثة، لا يعود ذلك العامل البسيط، بل يتحوّل تدريجيا إلى جسد مأهول بالشكوك، وعقل مثقّل بأسئلة لا تجد جوابا. الشظية التي استقرّت في رأسه ليست تفصيلا دراميا عابرا، بل مفتاح قراءة كامل: إنها اختراق مادي يقابله اختراق نفسي، كأن المصنع لم يكتف بابتلاع صديقه، بل قرّر أن يسكنه هو أيضا.

ومن حوله، تتحرك الشخصيات الأخرى في مدارات الصمت والخوف: عمّال يفضّلون النجاة على الحقيقة، إدارة تختبئ خلف تقارير باردة، وفضاء اجتماعي يكرّس القبول كآلية دفاع. وحتى "ليلى"، التي تمثّل حضورا أنثويا نادرا وتؤدّي دورها الممثّلة مرام بن عزيزة، فإنّها تحضر لتكسر هذا النسق الذكوري الصلب، لكنها سرعان ما تنخرط في منطق التوجّس، وكأن الجميع شركاء، عن وعي أو دونه، في إعادة إنتاج المأساة.

شخصيات الفيلم

ولا يمكن الحديث عن "اغتراب" دون التوقّف عند أداء ممثليه، حيث يقدّم غانم الزرلّي واحدا من أكثر أدواره نضجا وتعقيدا، مجسّدا شخصية "محمد" بكثافة داخلية لافتة، تتراوح بين الصمت المشحون والانفجارات النفسية المفاجئة. أداء يقوم على الاقتصاد لا الاستعراض، يجعل من الجسد مساحة تعبير قائمة بذاتها، ومن النظرة خطابا موازيا للكلمات. 

إلى جانبه، تضيف مرام بن عزيزة في دور "ليلى" بعدا إنسانيا هشّا داخل عالم صلب، حضورها يوازن القسوة المحيطة دون أن يكسرها. كما ينسج كلّ من سليم بكار ومحمد قلصي ويونس فارحي ومراد غرسلي شبكة أداء جماعي دقيقة، تعزّز الإحساس بأن الشخصيات ليست أفرادا معزولين، بل أجزاء من منظومة واحدة تتقاسم الصمت والخوف والمصير.

أما على مستوى التقنيات، فإن الفيلم يشتغل بوعي بصري وسمعي لافت، حيث لا تبدو الكاميرا مجرّد أداة رصد، بل طرفا فاعلا في صناعة المعنى. الزوايا القريبة تحاصر الوجوه وتضيّق الخناق على الشخصيات، فيما الإضاءة الخافتة لا تكشف بقدر ما توحي، تاركة مساحات للغموض والتأويل. كل شيء هنا مائل إلى العتمة: الألوان الصدئة، البني الثقيل، والظلال التي تبتلع التفاصيل، وكأننا أمام لوحات تشكيلية تُرسم بالحديد والعرق.

ويبلغ هذا الاشتغال ذروته في تصميم الصوت، حيث تختلط صفّارات الإنذار بهدير الآلات، لتصنع طبقة سمعية خانقة، تُحيل المصنع إلى ما يشبه ساحة حرب مفتوحة. الضجيج ليس خلفية فقط، بل هو لغة قائمة بذاتها، تعبّر عن صراع دائم، عن احتكاك لا يهدأ بين الإنسان والآلة، بين الجسد والحديد. وضمن هذا النسيج، يتقدّم السرد في بناء أقرب إلى المقطوعة الموسيقية، تتصاعد حركاته تدريجيا: من تمهيد بصري بطيء، إلى توتّر داخلي متنامٍ، ثم إلى رحلة بحث متشظّية، وصولا إلى انفجار نهائي لا يبدو انتصارا بقدر ما هو سقوط حرّ في هاوية الذات. هنا، لا يعود الانتقام هدفا بقدر ما يصبح قدرا.

التداخل بين الواقعي والفانتازي

ولعلّ ما يمنح "اغتراب" قوّته الحقيقية، هو هذا التداخل بين الواقعي والفانتازي، حيث يتسلّل الخيال من شقوق الواقع القاسي. تحوّل محمد إلى ما يشبه "كائنا حديديا" ليس فقط استعارة بصرية، بل تعبير عن حالة اغتراب قصوى: حين يصبح الإنسان نسخة من محيطه، حين يتسرّب الصدأ إلى الروح قبل الجسد. فمهدي الهميلي لا يقدّم فيلما عن حادثة داخل مصنع فحسب، بل يكتب مرثية كاملة لعالم يتآكل من الداخل. عالم تدار فيه المصائر ببرود، وتختزل فيه الحياة إلى أرقام وتقارير، بينما يظلّ الإنسان في النهاية الخاسر الأكبر، وهو يحدّق طويلا في هاويته، قبل أن تبدأ الهاوية في التحديق فيه.

وعلى مستوى الحضور الدولي، يواصل "اغتراب" ترسيخ مسار مهدي الهميلي ضمن خريطة السينما العالمية، إذ سجّل عرضه العالمي الأوّل ضمن مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، قبل أن يشقّ طريقه عبر محطات بارزة مثل مهرجان القاهرة السينمائي، ومهرجان مونبلييه لسينما البحر الأبيض المتوسط، ومهرجان الفيلم الفرنكوفوني بنامور، وصولا إلى مونتريال وبرلين وغرناطة. 

هذا الانتشار لم يكن شكليا، بل توّج الفيلم بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان Vues d’Afrique، إلى جانب مسار تطوير حافل بالجوائز، خاصة في مهرجان الجونة، ما يعكس اهتماما نقديا متزايدا بصوت سينمائي يشتغل على تخوم الواقعي والفانتازي، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والهامش والسلطة بلغة بصرية متفرّدة.

الواثق بالله شاكير